محمد بن جرير الطبري
564
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
أمر المخاطبين بهذه الآية في أولها بالإيمان بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال جل ذكره : " وآمِنُوا بما أنزلتُ مصدقًا لما معكم " . ومعقول أن الذي أنزله الله في عصر محمد صلى الله عليه وسلم هو القرآن لا محمد ، لأن محمدًا صلوات الله عليه رسولٌ مرسل ، لا تنزيلٌ مُنْزَل ، والمنْزَل هو الكتاب . ثم نهاهم أن يكونوا أوَّل من يكفر بالذي أمرهم بالإيمان به في أول الآية ( 1 ) ، ولم يجر لمحمد صلى الله عليه وسلم في هذه الآية ذكرٌ ظاهر ، فيعاد عليه بذكره مكنيًّا في قوله : " ولا تكونوا أول كافر به " - وإن كان غير محال في الكلام أن يُذْكر مكنيُّ اسمٍ لم يَجْرِ له ذكرٌ ظاهر في الكلام ( 2 ) . وكذلك لا معنى لقول من زعم أنّ العائد من الذكر في " به " على " ما " التي في قوله : " لما معكم " . لأن ذلك ، وإن كان محتمَلا ظاهرَ الكلام ( 3 ) ، فإنه بعيدٌ مما يدل عليه ظاهر التلاوة والتنزيل ، لما وصفنا قبل من أن المأمور بالإيمان به في أول الآية هو القرآن . فكذلك الواجب أن يكون المنهيُّ عن الكفر به في آخرها هو القرآن ( 4 ) . وأما أن يكون المأمور بالإيمان به غيرَ المنهيّ عن الكفر به ، في كلام واحد وآية واحدة ، فذلك غير الأشهر الأظهر في الكلام . هذا مع بُعْد معناه في التأويل . ( 5 ) . 819 - حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد
--> ( 1 ) في المطبوعة زيادة بين هاتين الجملتين ، وهي مقحمة مفسدة للكلام نابية في السياق . ونصها " . . . في أول الآية من أهل الكتاب ، فذلك هو الظاهر المفهوم . ولم يجر لمحمد . . . " . ( 2 ) بيان الطبري جيد محكم ، وإن ظن بعض من نقل كلامه أن كلا القولين صحيح ، لأنهما متلازمان . لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ومن كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد كفر بالقرآن ( ابن كثير 1 : 150 ) . ونعم ، كلا القولين صحيح المعنى في ذاته ، ولكن الطبري يحدد دلالة الألفاظ والضمائر في الآية ، ويعين ما يحتمله ظاهر التلاوة والتنزيل ، ويخلص معنى من معنى ، وإن كان كلاهما صحيحًا في العقل ، صحيحًا في الحكم ، صحيحًا في الدين . وما أكثر ما يتساهل الناس إذا تقاربت المعاني ، ولا يخلص معنى من معنى إلا بصير بالعربية كأبي جعفر رضي الله عنه . ( 3 ) في المطبوعة : " محتمل ظاهر الكلام " . ( 4 ) في المخطوطة : " . . . أن الأمر بالإيمان به في أول الآية . . . أن يكون النهي عن الكفر به في آخرها . . . " ، والذي في المطبوعة أجود وأبين . ( 5 ) وهذا أيضًا من جيد البصر ؛ بمنطق العربية ، وإن ظنه بعضهم قريبًا من قريب .